الثقافة القرآنية..للسيد حسين الحوثي
كتبهاosama sari ، في 24 مايو 2008 الساعة: 17:10 م
دروس من هدي القرآن
سلسلة أهم المحاضرات
الثقافة القرآنية
ألقاها السيد : حسين بن بدر الدين الحوثي
بتأريخ : 4/8/2002م
ملاحظة هامة
هذه الدروس والمحاضرات نقلت من تسجيل لها على أشرطة كاسيت و قد ألقيت ممزوجة بمفردات و أساليب من اللهجة المحلية العامية و حرصاً منا على سهولة الإستفادة منها أخرجناها مكتوبة على هذا النحو.
والله الموفق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، وأنزل عليه الكتاب المبين ليعلم الأمة ، ويزكيهم ، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين ..
في البداية نعتذر للأخوة المعلمين وللطلاب جميعاً أننا لم نقم بزيارتهم إلى الآن ، وليس ذلك عدم تثمين لهذا العمل ، أو عدم تقدير لما يقوم به الأخوة المعلمون والطلاب ، وإنما لشواغل أخرى ، ولثقتنا ـ أيضاً ـ أن في المدرسة من الإخوة المعلمين من فيهم الكفاية في التعليم وفي التوجيه وفي الإرشاد وفي التربية ، وليس هناك حاجة بالنسبة لنا .. لكن هذه زيارة نتشرف بها لهذه المدرسة ، نتشرف بها للإخوة المعلمين وللطلاب جميعاً ، ولنتحدث معكم أيضاً لم نجعلها بشكل رسمي محاضرة ، بل جلسة عادية طبيعية ، ولنتحدث معكم ونشترك مع الإخوة المعلمين في توجيهكم بما ألهمنا الله كما يقول الناس ( نريد مما ألهمك الله ) ..
في البداية نقول هي نعمة عظيمة علينا جميعاً ، علينا كمعلمين وعليكم كطلاب أن يُتاح لنا جميعاً فرصة أن نُعلم ونتعلم ، ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله (( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة )) فهي نعمة ، والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ـ على الرغم مما تمنن به على عباده من نعم مادية كثيرة ـ يعدُ نعمة الهداية ، نعمة الدين ، نعمة الإسلام يعدها أعظم النعم على البشرية ، أعظم النعم على الناس جميعاً ، لهذا نجد كيف ذكر الله سبحانه وتعالى في أكثر من آية ،قد تكون في القرآن ربما ترددت أربع مرات ، وهو يذكر للناس أنه قد مَنّ عليهم بنعمة عظيمة لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم وفي هذه الآية يقول هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .. شر الضلال والآثار السيئة للضلال تعتبر بالنسبة للإنسان أشد وأفتك وأسوء من أن تنقص عليه نعم مادية أخرى ، أسوء من الجوع ، أسوء من الفقر ، أسوء من المرض ، لأن تلك مصائب أو أضرار أو شرور قد لا يترتب عيلها آثار سيئة جداً .. أما الضلال ، أما مصيبة الضلال ، أن يعيش الإنسان في ضلال ، أن يعيش الناس في ضلال فإن آثاره سيئة جداً عليه في الدنيا وفي الآخرة ، ومن أسوء عواقب الضلال هو الخلود في جهنم ـ نعوذ بالله من جهنم ـ يمكن أن تجوع فتسُد رمقك بأي شيء ، حتى ولو من النباتات ، ولا يؤدي بك الجوع إلى جهنم ، يمكن أن تعاني في فترة من حياتك ضروف صعبة تعاني من الفقر أو مرض لا يؤدي بك هذا إلى جهنم ..
أما الضلال فأنه يؤدي بالناس إلى الخزي في الدنيا ، إلى الذلة، إلى القهر ، إلى العبودية لأولياء الشيطان ، إلى الخضوع للفساد والباطل ، وبالتالي سوء الممات سوء البعث ، سوء الحساب والخلود في جهنم ..
فالله عندما يذكّر عباده بأنه منّ عليهم برسوله صلوا ت الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنّ عليهم بأن أنزل عليه القرآن يتلوه على الناس يُعلمهم به ، يزكيهم به ، ( يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) .. أولئك الذين عاصروه نعمة كبيرة عليهم ومِنّة عظيمة منّ الله عليهم ، هم ومن بعدهم وآخرين منهم من الناس من الأميين ( لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) .. هذا فضل عظيم من الله أن يبعث في الأميين.
كلمة ( أميين ) تطلق على العرب باعتبار أنهم كانوا فيما يتعلق بالقراءة والكتابة، لم تكن منتشرة فيهم ، وقد تكون إسم يطلق على من سوى أهل الكتاب من الأمم ، ولا تزال تستخدم إلى الآن عند أهل الكتاب أنفسهم ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل وكيفما كانت إذ كان العرب أمة أمّية ، ليس لها ثقافة ، ليس في أوساطها أعداد كبيرة من المثقفين من العلماء ، أمة تعيش حالة بدائية .. فأن تحصل على هذه النقلة العظيمة من مرحلة البدائية مرحلة الأمية إلى أن تمنح هذا القرآن العظيم الذي جعله الله مهيمناً على كل الكتب السماوية السابقة ، كتاب عظيم كتاب واسع ، ثقافته عالية جداً ، عالية جداً تجعل هذه الأمة ـ لو تثقفت بثقافته ـ أعظم ثقافة ، وأكثر إنجازاً ، وأعظم آثاراً في الحياة ، وأسمى أسمى روحاً ، وأسمى وضعية ، وأزكى وأطهر نفوساً من أي أمم أخرى ، إنه ليقول: يتلوا عليهم آياته ويزكيهم فتكون نفوسهم زاكية ، مجتمعهم زاكي ، حياتهم زاكية ، نظرتهم صحيحة ، رؤيتهم صحيحة ، أعمالهم كلها زاكية ويعلمهم الكتاب والحكمة الكتاب هو القرآن الكريم ، كرره مرتين في هذه الآية ، لأنه هو المهمة الرئيسية للرسول صلوات الله عليه وعلى آله هو أن يتلو الكتاب على الناس ، يعلم الناس ، بهذا الكتاب ، عمله كله يدور حول القرآن الكريم يتلو عليهم الكتاب ، يتلو عليهم آياته التي هي القرآن الكريم و يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الحكمة هنا ما هي ؟ عادةً يقول: بعض المفسرون السُنة. يسمونها السنة ، الكتاب والحكمة قالوا الكتاب والسنة، هذا غير صحيح ..
الحكمة أن تكون تصرفاتهم حكيمة أن تكون موافقهم حكيمة أن تكون رؤيتهم حكيمة ، الحكمة هي ماذا ؟ هي تتجسد بشكل مواقف بشكل رؤى ، بشكل أعمال ، هي تعكس وعي صحيح ، وعي راقي ، تعكس زكاء في النفس ، تعكس عظمة لدى الإنسان ، الحكمة في الأمور يعلمهم الكتاب والحكمةلأن الله قال في آية أخرى لنساء النبي وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة هل معنى ذلك أنهن يقرأن أحاديث في البيوت ؟
القرآن الكريم اسم عام للقرآن الكريم ، القرآن الكريم داخله آيات ، كلمة آيات القرآن الكريم لا تعني فقط هو الفقرة من الكلام ما بين الرقم والرقم ، ما بين الدائرة والدائرة ، آياته حقائقة أعلامة ، فيما يتعلق بالحياة بصورة عامة ، فيما يتعلق بالتشريعات بصورة عامة ، فيما يتعلق بالهداية بشكل عام ،والقرآن الكريم فيه أشياء كثيرة تتجه نحو الإنسان لتمنحه الحكمة ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة كما قال في سورة الإسراء بعد أن ذكر عدة وصايا ، الوصايا العشر يعددها ثم قال ذلك مما أوحى إليك ربك الحكمة كلمة حكمة في القرآن الكريم لاتعني سُنة إطلاقاً.
رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله مُهمتُه هو أن يعلم الناس هذا القرآن بما فيه من آيات أعلام حقائق في كل مجال تتناوله ويزكيهم تزكوا نفوسهم تسمو تطهر ، وعيهم يرتقي يرتفع بما فيه من الحكمة ، ولهذا جاء في أكثر من آية يصف القرآن الكريم بأنه كتاب حكيم سماه في أكثر من آية بأنه حكيم ، وأن آياته أحكمت وأن آياته محكمة إلى آخر ما في القرآن الكريم من ثناء على نفس القرآن .. إنه في الأخير يجعل كل من يسيرون على وفق توجيهاته ويتثقفون بثقافته ، يُمنحون الحكمة ، والعكس الذين لا يسيرون على ثقافة القرآن لا يهتمون بالقرآن سيفقدون الحكمة ، وسيظهر مدى حاجة الناس إلى الحكمة في المواقف المطلوبة منهم ، في القضايا التي تواجههم ..مثلاً الآن في هذا الوضع الذي نعيش فيه وتعيش فيه الأمة العربية والأمة الإسلامية ،ونحن نسمع تهديدات اليهود والنصارى ، تهديدات أمريكا وإسرائيل وسخريتها من الإسلام ومن المسلمين و علماء الإسلام ومن حكام المسلمين بشكل رهيب جداً ، تجد موقف الناس الآن موقف الناس بكل فئاتهم يتنافى مع الحكمة ، أي هم فقدوا الآن المواقف الحكيمة مما يواجهون ، الرؤية الحكيمة لما يواجهون ، النظرة الصحيحة للوضع الذي يعيشون ، فقدوا الحكمة فعادوا إلى الأُمية .. عدنا إلى الأمية من جديد ، بينما الله سبحانه وتعالى كان قد أنقذنا من تلك الأمية لما كنا عرباً بدائيين لا نعرف شيئاً .. لا ثقافة لا تعليم لا وعي ، وعي يكون بمستوى قضايا عالمية ، قضايا تهم الإنسان
كإنسان بصورة عامة ، عدنا من جديد إلى الأمية على الرغم من وجود القرآن الكريم فيما بيننا ، على الرغم من أننا نقرأ ونكتب ، ومدارس متعددة وصحف ومجلات ومكتبات في الشوارع ومكتبات عامة في الجامعات ومراكز علم كثيرة جداً ، مدارس أساسية مدارس ثانوية وجامعات ومراكز علمية ومكتبات تملأ الشوارع ، وكتب على الأرصفة أيضاً تُباع ، ومجلات كل يوم تصدر أو كل أسبوع .. لكن لا يمكن أن يُخرج العرب من الأمية إلا القرآن الكريم فتصبح أمة ثقافتها أعلى من ثقافة الآخرين ، مواقفها حكيمة ، رؤيتها حكيمة. الآن أصبح وضع رهيب جداً ، ومؤسف جداً ، الآن ليس هناك رؤية في الساحة ، ليس هناك موقف في الساحة للعرب ، هاهم مستسلمين الآن ، ونرى مع الأيام كل مرة إنجاز لأمريكا وإسرائيل في سياستهم ، كل مرة إنجاز ، كل مرة يسوقون العرب إلى شيء .. إلى تنازلات ، إلى تقديم إستسلام أكثر وأشياء من هذه ، وبقيت الأمة كلها مستسلمة .. هل هذا موقف حكيم ؟ .. ليس موقفاً حكيماً ، بل الرجل العادي من الناس يقول: ماذا دهى العرب ؟! لو أن العرب اجتمعوا ،لو أن الزعماء اجتمعوا لاستطاعوا ضرب إسرائيل. أي مُحلل عادي من الناس يشهد بأن الوضعية هذه كلها للعرب ليست من الحكمة في شيء.
إذاً فنحن عندما نتعلم يجب أن يكون همنا هو ماذا ؟ أن نتعلم القرآن الكريم ، ثقافتنا تكون قرآنية ، ثقافة قرآنية ، عنوان حركتنا ونحن نتعلم ونعلم ونحن نرشد ونحن في أي مجال من مجالات الثقافة ، أن ندور حول ثقافة القرآن الكريم.
وعندما نقول نحن نريد هؤلاء الطلاب أن يتعلموا القرآن الكريم ربما قد شوهت صورة القرآن في فهم الطالب أن معناه أن يكون له (مَعْشَر يُسَمِّعه ومعشر ثاني يوم يسمعه لما يكمل المصحف ويرجع من جديد، أي أن يقرأ القرآن ثم يعيد بالشكل المعروف سابقاً. القرآن علوم واسعة ، القرآن معارف عظيمة.
القرآن أوسع من الحياة ، أوسع مما يمكن أن يستوعبه ذهنك ، مما يمكن أن تستوعبه أنت كإنسان في مداركك ، القرآن واسع جداً وعظيم جداً ، هو ( بحر ) كما قال الإمام علي (( بحر لا يدرك قعره )) .. نحن إذا ما انطلقنا من الأساس ، عنوان ثقافتنا أن نتثقف بالقرآن الكريم سنجد القرآن الكريم هو هكذا ، عندما نتعلم يزكينا يسمو بنا ، يمنحنا الحكمة ، يمنحنا القوة ، يمنحنا كل القيم .. كل القيم التي لما ضاعت ضاعت الأمة بضياعها ، كما هو حاصل الآن في وضع المسلمين ، وفي وضع العرب بالذات.
وشرف عظيم جداً لنا ونتمنى أن نكون ، نتمنى أن نكون بمستوى أن نثقف الآخرين بالقرآن الكريم ، وأن نتثقف بثقافة القرآن الكريم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم يؤتيه من يشاء فنحاول أن نكون ممن يشاء الله أن يؤتوا هذا الفضل العظيم .. لا تفكروا إطلاقاً أن العلم هو في أن ننتهي من الرصات من الكتب ، ربما رصات من الكتب توجد في نفسك جهلاً وضلالاً لا تنفع..
استعرض الآن المكاتب في الشوارع في المدن نجد رصات من الكتب رصات من الكتب في الحديث في التفسير في الفقه في فنون أخرى لكن كم تجد داخلها من ضلال .. كم تجد أنها تنسف تنسف الإنسان حتى أنه لا يبقى على فطرته .
لم يعد العرب حتى في مواقفهم من الآخرين ، لم يعودوا على فطرتهم السابقة كعرب يوم كانوا عرباً على فطرتهم كانوا يمتلكوا قيماً ، يأبى العربي أن يضام ، يأبى أن يظلم ، يتمتع بقيم مهمة .. النجدة ، الفروسية ، الشجاعة ، الكرم ، الإستبسال ، كانوا معروفين بهذا حتى في عصر قبل الإسلام ماكان أحد يستطيع أن يستعمرهم ، معظم البلاد العربية ما كان أحد يستطيع أن يستعمرهم ، وإن كان هناك بعض مناطق مثلاً في الشام كانت تستعمرها الدولة الرومانية ، وبعض مناطق في العراق يستعمرها الأكاسرة ، لكن مثلاً شبه الجزيرة واليمن كان في معظم مراحلها لا تخضع للإستعمار ، وكانوا يقاومون وكانوا يأبون.
اليهود عاشوا فترة طويلة جداً بين العرب وهم كانوا بأعداد كبيرة ، كان أهل خيبر أثناء حصار رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بخيبر كان يقال أن عددهم نحو عشرين ألف مقاتل ، اليهود كانوا نحو عشرين ألف مقاتل .. هناك جماعات بني قريضة .. بني قينقاع .. ويهود آخرون ، هؤلاء أنفسهم لم يستطيعوا في تلك الفترة ، وهم اليهود من يمتلكون المكر ويمتلكون الطموح إلى إقامة دولة ، ويعرفون أن تاريخهم كان فيه إمبراطوريات قامت لهم وقامت لهم حظارة فكانوا ما يزالون يحنون إلى تكرير ذلك الشيء الذي فات عنهم ، ولكن لم يستطيعوا ، كانوا يحتاجون إلىأن يعيشوا في ظل حماية زعامات عربية وقُوًى عربية ، وكان اليهود كل اليهود حول المدينة معظمهم يدخلون في أخلاف مع زعماء من القبائل من قُبل المدينة وما جاورها ، أي لم يستطع اليهود فضلاً من أن يسيطروا ، لم يستطيعوا أن يستقلوا في الحفاظ على أنفسهم ، وأن يحققوا لأنفسهم أمنأً.
ماالذي أوصل العرب إلى هذا ؟ أحياناً الإنسان إذا ما تُرك على فطرته يدرك أشياء كثيرة ، لكنه أحياناً بعض الثقافات تمسخه عن الإنسانية وتحطه ، تقدم له الجبن دين ، تقدم له الخضوع للظلم دين يدين الله به ، كما روى في الأحاديث عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أنه قال ( سيكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي [نهائياً لا يقفون عند حد] قالوا ماذا تأمرنا يارسول الله؟. قال ( اسمع وأطع الأمير ، وإن قصم ظهرك وأخد مالك).
العربي يوم كان جاهلي ، يوم كان جاهلي ، يوم كان على فطرته ما كان يمكن إطلاقاً أن يقبل مثل هذا ، لكن لما قدمت له المسألة باسم دين ، لما قُدِّم -الآن .. الآن في هذا الظرف السكوت والخضوع- بأنه هو الحكمة هو السياسة ، هو الرؤية الحكيمة لفلان أو فلان ، السكوت هو من أجل أن لا تثير الآخرين علينا ، من أجل كذا ، من أجل كذا.
عندما يثقف الإنسان ثقافة مغلوطة هذه هي الضربة القاضية ،تجد بين الرصات الكثيرة من الكتب الكثير من الضلال الذي لا يبقيك حتى ولا إنسان على فطرتك على طبيعتك.
الإنسان بطيعته هو مُنح ـ كما منحت بقية الحيوانات والحيوانات كل حيوان- وسيلة للدفاع عن نفسه ،له مشاعره التي تجعله ينطلق يدافع عن نفسه ليرهب خصمه ، أنت عندما تجد ـ مثلاً الشيء الذي نعرفة كثيراً- القط عندما يلقى الكلب كيف يعمل، يحاول يرهبه ، يحاول ينتفخ ، ويعرض مخالبه وأسنانه ويصدر صوت مرعب ، يترك الكلب أحياناً يتراجع ، يبعد عنه وهو أكبر منه وأقدر منه ، لم نُترك كأي حيوان آخر لأن قضية الدفاع عن النفس ، الدفاع عن الكرامة ، الدفاع عن البلد ، الدفاع عن الثقافة القائمة لدى الناس هي فطرة هي غريزة .. ألم ينطلق العرب هم ليواجهوا الإسلام يغضبوا لآلهتهم وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم أن هذا لشيء يراد .. قاتلوا من أجلها ، جاهدوا من أجلها ضحوا من أجلها ، قريش سخروا الأموال التي جاءت من أموال القافلة أيام غزوة بدر ، سخروها في تمويل جيش ضد محمد ، تمويل جيش ضد محمد صلوات الله عليه وعلى آله فكانوا في تلك الفترة يوم كانوا لا زالوا أناساً ، إنسان يغصب يثور لتقاليده لثقافته ، يغضب على من يظلمه، وهكذا نحن بالثقافة المغلوطة ، بالفتاوى المحرفة ، بالحكمة التي تُقَدِّم الخنوع والجمود.
لاحظ عندما يقول الله هنا في القرآن الكريم أن من مهام رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أن يعلمنا الكتاب والحكمة ، ماهي الحكمة الآن في مواجهة أمريكا وإسرائيل ، ومؤامراتهم وخططهم والتي أصبحت علنيّة ومكشوفة ، وأصبحت أيضاً هجمة ليس معها ولا أي ذرة من احترام لهذه الأمة ولا حتى لزعماء هذه الأمة ، سخرية ، احتقار ، امتهان بشكل عجيب ، ربما لم يحصل مثل هذا في التاريخ .. ما هي الحكمة الآن ؟ تجد أنها الحكمة التي يرفضها القرآن التي يهدد القرآن على من تمسك بها ، ما هي الحكمة ؟ السكوت ، تسكت وتخضع ، ولا أحد يتحدث بكلمة ، لا شعار يردد و لا تتكلم في أمريكا.
العجيب أن هذه الحكمة قد تعتبر أنها هي الشيء الذي يضمن للناس سلامة ماهم عليه ، أو الذي يضمن للبلد سلامته فلا يهيمن عليه أعداء الله ، وأن هذا موقف حكيم ، أن الزعيم الفلاني يمكن من خلال هذه السياسة أن يوفر للبلاد مبالغ كبيرة من الدولارات .. ويقولون: رأيتم أنه رجل حكيم، استطاع أن يخدع الأمريكيين يدخلوا وبعدين ياستطاعنه يخرجهم ، فقط بقدر ما يأخذ منهم أمولاً، بقدر ما يأخذ.
الفلوس نفسها لم يسلموها التي وعد بها الأمريكيون ، لم يعطوا حتى إفعانسان ولم يعطوا لأحد ، وعود كاذبة ، ينطلق حتى من بعض أشخاص هم حملوا القرآن ، إن أي عمل آخر.
أي عمل تنطلق فيه هو وفق منطق القرآن الذي هو حكيم كما قال الله فيه. يقال لك: لا . هذا تصرف غلط ، وهذا يؤدي إلى القضاء على الزيدية ، ويؤدي إلى كذا ، ويؤدي .. وسكته ، ولا موقف.
أنطلقت الحكمة مغلوطة ، لم يبق للإنسان حتى تقديراته الطبيعية للأشياء ، لم يبق للإنسان أن ينطلق في الموقف الطبيعي من القضايا التي أمامه ، يجمدوا الناس ، يخذلوا الناس باسم حكمة.
وهكذا نحن إذا لم نتثقف بثقافة القرآن الكريم ، فسنفقد كل شيء ، وسنعود إلى أُمية كانت الأمية الأولى أفضل منها. الأمية التي قال الله عنها بأنها وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .. سنعود إلى مرحلة من الضلال أسوء أسوء بكثير مما كان أولئك الذين قال عنهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين لأننا فقدنا أن نلتزم بديننا ، أن نتمسك بقيمه ، وفقدنا أيضاً قيمنا الإنسانية الطبيعية والتي هي للإنسان كأي حيوان آخر.
أليس الإنسان يتمتع بمشاعر الغضب أحياناً فيغضب ؟ هذا شيء فطري وغريزي ، حب الإنتقام ، حب التضحية من أجل شيء عزيز عليه ، سنصبح أُميين أسوء من الأمية التي كان عليها العرب ، حينها لا يبقى لدينا دين ولا يبقى لدينا نجدة ولا كرامة ولا شجاعة ، ولا إباء ولا فروسية ، ولا أي شيء آخر ..
إذاً فليفهم كل طالب أنه عندما نأتي إلى المدرسة ونتعلم قد تسمع أنت كلمات من هنا وهناك .. (يتعلم واحد ما أوجب الله، وماله وما عليه ،يعلم ما له وما عليه). ومطبوع في ذهنك وذهن من يحدثك (مالك وما عليك) .. أن تعرف كيف تتوضأ وكيف تصلي وكيف تصوم وكيف تزكي وتحج وانتهى الموضوع .. لا.. مالنا وما علينا هو القرآن ،باختصار هو القرآن الكريم من ألفه إلى يائه ، فعندما نتصور بأن ثقافة القرآن الكريم هي شيء زيادة على مالك وما عليك ، أنا أريد أن أقرأ هنا كتاب فقهي لأعرف من باب الطهارات إلى نهاية أبواب الفقه ، وحينئذٍ أقول قد عرفت مالي وما علي ، هذا غير صحيح ، هذا جزء تعرفه مما ينبغي أن تعرفه ، تعرف كيف تتوضأ كيف تتطهر ، كيف تصلى كيف تصوم ، كيف تزكي ، كيف تحج ، كيف تتعامل مع أفراد أسرتك مع والديك ، مع إخوانك ، كيف تتعامل مع جيرانك ، كيف تتعامل مع المجتمع من حولك.
ولكن يبقى المجال واسع جداً ، في مجالات كثيرة جداً ، هي أكثر الواجبات وهي الواجبات المهمة التي إذا لم نلحظها ونتثقف حتى نعرف كيف يمكن أن نصل إلى أدائها سنفقد أيضاً قيمة هذه العبادات التي نقول نريد نتعلمها ، تصلى تصبح الصلاة لا قيمة لها في حياتك ، لا قيمة لها فيما بينك وبين الله ، لا تفهم منه شيئاً ، تزكى تحج ، تعمل أعمال من هذه تعتبر في الواقع فاقدة لأثرها في الحياة فاقدة لما يمكن أن تصنعه في نفسك من أثر يشدك إلى الله سبحانه وتعالى.
فنحن عندما نقول نتثقف بثقافة القرآن ، وعندما نأتي ونقول نريد أن نتعلم ما أوجب الله علينا ويدري الإنسان ماله وما عليه نتجه إلى القرآن الكريم هو مالنا وهو ما علينا ، فيه ما يزكينا ، فيه ما يمنحنا الحكمة ، فيه ما يهدينا في كل شئون الحياة ، فيه ما يجعلنا نموت سعداء ونبعث سعداء ، وندخل الجنة ، ونسلم من عذاب الله ، فالقضية هذه مهمة جداً.
وأعتقد أنه يجب أن يكون أبرز عمل لنا في المراكز ، وأبرز عنوان في المراكز وفي حياتنا الثقافية بصورة عامة هي أن نحرص على أن نتثقف بثقافة القرآن الكريم ، وأن ندور حول القرآن الكريم ، ونهتم بمعارفه وعلومه ، ونوطن أنفسنا على أن نكون من النوعية الممتازة التي أثنى عليها داخله ، التي أثنى عليها داخله ( المؤمنين).
عندما يقرأ الإنسان صفات المؤمنين في القرآن الكريم يجد صفات راقية ، عندما تعود إلى المجتمع تجدها صفات مفقودة .. أليس هذا حاصل ؟ وكأن القرآن يتحدث عن نوعية من الناس ليست موجودة ؟..
إذاً فعندما أنت تقول ذلك -وهذا من الخداع للنفس ، الإنسان قد يخدع نفسه- أنا أريد أن أعرف مالي وما عليّ ، ولا أرى أن مما عليّ هو أن أكون ممن يتمتع بتلك المواصفات التي ذكرها الله لأوليائه والمؤمنين من عباده في القرآن الكريم لأن الجنة أعدت لمن ؟ أعدت للمؤمنين ، أعدت للمتقين ، أعدت لأولياء الله ، العزة في الدنيا ، أعدت للمؤمنين ولله العزة ولرسوله وللؤمنين .. الرفعة الشرف ، القوة التمكين هو للمؤمنين وفي الآخرة الحساب اليسير لمن ؟ لأولياء الله ، الأمن لأولياء الله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ألم يقل الله هكذا ؟.. الذين آمنوا وكانوا مسلمين .
فعندما يظن الإنسان أن بإمكانه أن يقرأ كتاباً فقهياً ، وهو يعلم أنه عندما يقرأ القرآن يجد أن بينه وبين تلك المواصفات التي عرضها الله عن أوليائه عن المؤمنين عن المتقين ، أنه بينه وبينها مسافات ويرى الناس من حوله يرى زملاءه ، يرى أسرته يرى المجتمع كله من حوله بعيد عن هذه فاعرف أنك تمشى على طريق هي غير الطريق التي رسمت للؤمنين ، تؤدي بك إلى غاية هي غير الغاية التي تؤدي إليها السبيل التي رسمت للمؤمنين ، أين يسير المؤمنين؟.. أليسوا يسيرون إلى الجنة يكون حسابهم يسيراً ، يبعثون فرحين يوم القيامة آمنين ،و يساقون مكرمين إلى الجنة ، فهل تنتظر أنت وأنت تقول أنك تريد أن تعرف مالك وما عليك ، وأنت لا تحاول أن تتحلى بهذه الصفات التي ذكرها القرآن الكريم للمؤمنين .. هل تنتظر أن تحشر كالمؤمنين ، وأن تدخل الجنة كالمؤمنين؟. لا. والقضية أسوء من هذه القضية أيضاً ، من جانب آخر أسوء إذا لم يكن الإنسان الذي ينطلق للتعليم ، الذي يحمل اسم مسلم إذالم ينطلق وفقاً للمواصفات القرآنية التي أرادها الله للإنسان المسلم ، فإنه سيكون من يخدم في حياته الباطل أكثر مما يخدم الحق ، يخدم الباطل حتى وإن حمل علماً ، خاصة إذا كان باطلاً وراءه يهود.
نحن نقول أكثر من مرة ، نقول أكثر من مرة اليهود يستطيعون أن يسيروا علماء لخدمتهم ، أن يسيروا عباداً لخدمتهم ، إذا لم نعد إلى القرآن ونتثقف بثقافته بمعنى صحيح وبشكل جاد يستطيعوا أن يسيروا إنساناً يتعبد ليله يسيروه يخدمهم ، عالم يخدمهم.
قد تتعلم وتتخرج وتخدم اليهود من حيث لا تشعر ، من حيث لا تشعر ، لأنك حينئذٍ لا تتمتع بحكمة ، ليس لديك رؤية حكيمة ، لا تتمتع بالموصفات الإيمانية المواصفات التي ذكرها الله لأوليائه في القرآن الكريم ، التي تمنحهم القوة ، وتمنحهم الحكمة ، وتمنحهم زكاء النفس.
فتضل وأنت تحمل القرآن وهذا من أسوء الأشياء ، ومن أعظم الأشياء إساءة إلى القرآن وإلى الله أن تحمل القرآن الكريم ، أن تتعلم القرآن الكريم أو تُعلم القرآن الكريم ، وفي نفس الوقت تبدو إنسان هزيل ضعيف في مواقفك من أعداء الله..
القرآن الكريم كله قوة كله عزة كله شرف كله رؤى صحيحة وحلول صحيحة تعطى كل من يسيرون على نهجه أن يكونوا بمستوى أن يضربوا أعداء الله كيفما كانوا و كيفما كانت قوتهم ، فالذي يجهل القرآن الكريم ولا يتثقف بثقافته ـ وإن كان يتلوه ليله ونهاره ـ هو من سيكون في الواقع ممن نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وسترى أن الشخص الذي يحمل القرآن وتراه ضعفياً في مواقفه من أعداء الله ، ضعيفاً في رؤيته للحل الذي يهدي إليه القرآن فاعرف أنه بمعزل عن القرآن الكريم وبعيد عن القرآن الكريم ، وأنه يسيء إلى القرآن ، وأنه في نفس الوقت سيعكس وضعيته هذه المتردية وضعفه إلى الآخرين ، فيصبح قدوة للآخرين في ضعفه بدلاً من أن يكون قدوة للآخرين ـ وهو يحمل القرآن الكريم ـ في قوته ، فنحن يجب أن نتعلم القرآن الكريم ، وأن نتثقف بثقافته .
ومما يعطينا القرآن سنعرف كيف نقيّم الآخرين ، فأعرف أن هذا مواقفه قرآنية ومنسجمة من القرآن ، أن هذا ـ مهما كان شكله ، مهما كانت عبادته ، مهما كان يمتلك من كتب ـ تبدو وضعيته غير منسجمة مع القرآن الكريم ، رؤاه غير منسجمة مع القرآن الكريم ، في الوقت الذي يقول القرآن الكريم للناس يحثهم على الجهاد ،يحثهم على الوحدة على الأخوة على الإنفاق في سبيل الله ، على أن يبيعوا أنفسهم من الله على أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ، ويامرهم بأن يقاتلوا أعداء الله ، تجد كلامه ـ والمسبحة في يده ـ ( مالنا حاجة وأحسن للناس يسكتوا ، وقد يجنوا الناس على أنفسهم ) وكلام من هذا ا لنوع .. هذا لا يمكن أن يكون منسجماً مع القرآن الكريم ، سنصبح ضحايا لكثير ممن يحملوا علم إذا لم نُمنح نحن كطلاب علم كناس مسلمين نُمنح مقاييس قرآنية نستطيع من خلالها أن نعرف ما هي المواقف الصحيحة ، ومن الذي تعتبر مواقفه صحيحة وحركته قرآنية ، ومن الذي هو بعيد عن القرآن الكريم ، سيصبح الإنسان ضحية ، قد تسمع مثلاً ( يا رجل سيدي فلان أو سيدنا فلان ماذا وراءه ، ذاك عالم كبير ولا يهتم بهذه الأشياء، ولا يقول كذا ، هو يقول للناس فقط سيثيرون الآخرين على نفوسهم ، أحسن للناس يسكتوا ولا يتفوهوا بكلمة ولا .. ولا .. لسنا أحسن منه ، هل فلان أحسن منه.
أليس هكذا يتصرف الناس على هذا النحو؟. لا .. يجب أن نرجع إلى القرآن الكريم فنستفيد منه كيف نكون حكماء في رؤيتنا ، في تقييما لأنفسنا أولاً ، في تقييمنا للآخرين من حولنا ، وفي معرفتنا لما يذكره أعداؤنا ، ولمعرفتنا لما هو الحل في مواجهة أعدائنا ..
متى قدم القرآن الكريم السكوت المطلق كموقف حكيم في مواجهة أعداء الله ؟ قد يُوجّه في مرحلة معينة .. أعف وأصفح في فترة معينة ، وأنت تعمل في نفس الوقت ، تعمل لا تتوقف إطلاقاً ، لكن أجِّلْهم في الموقف هذا وهم ضعاف ، هم لا يشكلون خطورة بالغة ، لا تشتغل بهم ، وفي نفس الوقت أنت تعمل ، أنت تهيء ، أنت تجهز ، سراً وعلناً مواقف واضحة ..
يَرِد في القرآن الكريم أحياناً عبارات من هذه ( أعف عنهم وأصفح حتى يأتي الله بأمره ) ماذا يعني الله بأمره؟. وهل الرسول سيعفو ويصفح ويوقف كل شيء ، أم أنه كان ينطلق ويتحرك باستمرار ؟ ينطلق ويتحرك باستمرار ، إنما ربما المنطلق هذا الموقف من جانب هؤلاء الأعداء ، يهود معينين لازالوا مستضعفين ، موقفهم قد يكون غير خطير في ذلك الزمن ، قبيلة معينة منهم ، أتركهم لا تنشغل بهم ، لا تؤاخذهم على هذا فتغرق أنت في الإشتغال بهولاء بمفردهم.
ينطلق في العمل العام وفي بناء مجتمع قوي وفي بناء دولة وفي بناء أمة ، هناك أمر الله في الأخير يستطيع أن يضرب هؤلاء ، إذا لم يقفوا عند حدودهم ، إذا لم يهدأوا ، إذا ما ظلوا يحيكون المؤمرات ضد النبي وضد الإسلام.
لم يأت في القرآن توجيهات بالسكوت المطلق ، ومن يتبنى ثقافة غير ثقافة القرآن هو نفسه من يجهل الله سبحانه وتعالى.
من أهم الموارد من أهم المواضيع في القرآن الكريم هو تركيزه الكبير فيما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى ، أفضل وأهم وأعظم مصدر لمعرفة الله هو القرآن الكريم ، القرآن الكريم بمنحك ثقة بالله وتدور معارفه فيما يقدمه من معرفة عن الله سبحانه وتعالى بالشكل الذي يرسخ لدى الإنسان شعوراً بعظمة الله وحباً لله ، وفي نفس الوقت ثقة قوية بالله ، هذه الثقة ليست كتلك الثقة التي تحصل لدى الإنسان إذا ما أصبح في حاجة إلى شيء ، مريض أو معه مريض أو أفتقر إلى حاجة معينة ، وهو لا يملك أموالاً يصبح لديه حالة من الرجوع إلى الله ، يدعو الله بإخلاص ..هذه الحالة كانت تحصل تقريباً للمشركين في البحر إذا ما خشوا من الغرق دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين.
الثقة بالله تنطلق ثقة واعية ، وليست ثقة عمياء ، لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ـ وهو يتحدث عن أوليائه ـ ذكر أنهم كيف كانوا ينطلقون على أساس الثقة به ، وذكر في القرآن كيف أنه كان يمنحهم الرعاية لأنهم كانوا يثقون به يا أيها الذين آمنوا اذكروانعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم فكف أيديهم عنكم.
وكم ذكر في القرآن الكريم من أمثلة كثيرة جداً توضح للإنسان كيف أنه يرعى أولياءه الذين يثقون به ، كيف أنه يدافع عنهم ، كيف أنه يؤيدهم ، كيف أنه ينصرهم .. ألم يقل عن تلك المجموعة التي خَلُصت من الآلآف المؤلفة من بني إسرائيل ـ في قضية طالوت وجالوت ـ بعد أن شرب الكثير من النهر فبقي مجموعة بسيطة ، قال بعضهم لا طاقة لنا اليوم يجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله مؤمنون واثقون بالله يعيشون حالة من سيطرة الله على مشاعرهم ، الله حي في مشاعرهم ، في نفوسهم قالوا كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين .. ماذا حصل بعد؟ قال فهزموهم بإذن الله .
يتحدث عن قضية عصى موسى .. لاحظوا موسى الرجل الفقير الذي لا يمتلك الأسلحة التي كانت لدى فرعون ، لا يمتلك الجيش الذي كان لدى فرعون ، في يده عصا ، وهو متجه إلى مصر بزوجته وأغنامه ومواشيه ، قال الله وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ليس لها دور أكثر من هذا -فيما أرى- الله أراد أن يجعل من تلك العصا قوة ترعب فوعون وقومه .
فمن يثق بالله ، من يثقون بالله .. إذا ما بلغ الناس إلى درجة الوثوق القوي بالله سبحانه وتعالى فإنه من سيجعل الأشياء البسيطة ذات فاعلية ،ذات فاعلية كبيرة ،عصا موسى عليه السلام كانت ترهب فرعون ، كانت تتحول إلى حية ، كان تذعر آل فرعون جميعاً ، قضت على كل ذلك الإفك ، على كل ما عمله السحرة ، أوحى الله إليه أن يلقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ، تلتهمه جميعاً وقضت على كل تلك الحبال والعصي التي كان يخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى ، هذه العصا كانت تشكل سلاح ،عبارة عن سلاح ،وعبارة عن آية ،وعبارة عن وسيلة للفرج ، لها أدوار متعددة ، ضاعت كل قوة فرعون وجبروته وجيوشه وآلياته العسكرية وحصونه أمامها، تلك العصا التي قال عنها موسى: أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي .
وهكذا تجد في القرآن الكريم أشياء كثيرة جداً تتوجه نحو الإنسان لتخاطبه بأن عليك أن تثق بالله ، فمتى ما وثقت ثقة صحيحة ، ومن الثقة به هو أن تتأكد بأنك تسير على هديه ، وإلا فقد تدعو ، قد يجتمع صف من العلماء العباد في مسجد يدعون الله سبحانه وتعالى على أمريكا وإسرائيل ولايحصل شيء ، إذا ما رأى أولئك هو أشد غضباً عليهم مما نجد من عضب عليهم .. أليست المسألة على هذا النحو ؟ تحركوا من منطلق الثقة لأن ما يدل على أن الإنسان يعيش حالة الثقة بالله سبحانه وتعالى هو أن ينطلق هو أن يتحرك حتى في الظرف الذي يرى كل ما حوله ليس في أتجاهه ،يرى كل ما حوله بعيداً عنه ، يرى نفسه ضعيفاً ، يرى موقفه غريباً ،يرى منطقه ممقوتاً ، هذه هي اللحظة التي تدل على مدى ثقتك بالله ، إذا ما انطلقت في ظروف مثل هذه ، في مرحلة معينة.
لاحظوا لو تأتي دولة وتقول هذا كل ما لدينا تحت أيديكم .. أليس حينئذٍ سيصبح الناس أقوياء ، ويصبحوا فيما بعد يتهددوا ويتوعدوا الآخرين .. لماذا ؟ أما في ظرف كهذا والله يقول لك أن بإمكانك أن تصل مستوى أن يكون معكم ، فمتى ما كان معكم فهو من له جنود السماوات والأرض ، أعظم مما تمتلك الدولة الفلانية من أسحلة .. لماذا أراك ضعيفاً لماذا أراك مستسلماً ؟.. لماذا أراك هكذا مقهوراً ذليلاً ؟.. لماذا أراك ضعيفاً ؟.. لماذا أراك مستسلماً؟.. لماذا أراك بعيداً عن أي تفكير في أي عمل ضد أعداء الله؟. لأنك لا تعيش حالة المعرفة بالله ، ولا تعيش حالة الثقة بالله ؟ ويدلك على هذا أنه لو تأتي الدولة تقول هذه مجموعة أسلحة ومعسكرات تحت تصرفكم سنرى الناس كلهم سيصبحون أقوياء ..أليس هذ سيصبح مثلاً عند الناس ؟. لا .. أولياء الله يثقون بالله في أصعب الظروف ، وفي أشد الظروف ابتعاداً عما يقدمونه من حلول ، عما يقدمونه من تصور عملي في مواجهة أعداء الله ..
الثقة بالله هي من أهم ما زكز عليها القرآن الكريم. وتجد أنه إذا افتقد الناس الثقة بالله قد يصل الناس إلى حالة من الكفر لايشعرون بها .. كيف ؟. مثلاً تجد آيات صريحة عندما يقول لله: ولينصرن الله من ينصره إن لله لقوي عزيز إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم فقاتلوهم يعذبهم الله بأٍيديكم ويخزهم وينصركم عليه ، لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون وكم لهذه الآيات من نظائر..
نرجع إلينا .. إلى الناس .. أعداء الله يعملون كذا ، يتحركون كذا ، ما لنا لا نفعل ؟ فيقال: والله ما نستطيع ،نحن مستضعفون ، ما بأيدينا شيء ، وماذا نستطيع أن نعمل ؟.
نعم.. وتلك الوعود التي في داخل القرآن؟. ، كيف معنى ذلك أنه في الأخير أنني أقرأ تلك الآيات ، وأقرأ قوله تعالى ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز وأنا في واقعي ، ونحن في واقعنا جميعاً نحكم على الله بأنه فقط أنت تستطيع أن تنصر وأنت قوي وأنت عزيز ، لكن إذا كان هناك أعداء مثل قريش مثل أولئك الذين كانوا في مواجهة محمد ، أما أمريكا أما إسرائيل ،أما ما تمتلك من أسلحة ، هذه القوي والله ما نستطيع ، هذا واقع .. أي أننا في نظرتنا إلى الله على هذا النحو من يقول نحن أمام أمريكا لا نستطيع أن نفعل شيئاً بعد أن قال الله له: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز بهذه العبارات قوي عزيز .
الله أكبر .. الموت لأمريكا .. الموت لأسرائل .. اللعنة على اليهود .. النصر للإسلام ..
معنى هذه في الأخير أنه والله صح أنت قوي ، أنت عزيز لكن أما أمام أمريكا فلا، أنت غالب على أمرك قاهر فوق عبادك لكن أما هؤلاء فلا، هكذا الواقع ، نطرة الناس هي هكذا في الواقع .. أليس هذا من الكفر الفضيع ؟ كفر فضيع في داخلنا ونحن لا نشعر.
إن سببه ماذا ؟ ضعف الثقة بالله ، ضعف الثقة بالله تجعلك ترى أن الله لا يستطيع أن يعمل شيئاً أمام أولئك وهم من هم ؟ هم أولياء الشيطان الذي قال الله عنه: فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً وكلما زاد خبثهم ازدادوا إفساداً .. أليس يعني ذلك أنهم كلما أزداد ولاؤهم للشيطان كلما أزدادوا ضعفاً ، كلما عظمت ولايتهم للشيطان كلما أرتبطوا بضعيف مذموم مدحور طرده الله ، وطبعه بهذا الطابع مذموماً مدحوراً ضعيفاً ذليلاً فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان
ضعيفاً.
قد تسأل أحد فيقول لك: نحن من أولياء الله ، ونحن مؤمنين ، لكن لماذا نراك تنظر إلى أولياء الشيطان نظرة المنبهر بهم ، المكترث بما هم عليه ، يراهم كباراً ، يراهم سداً أمام الله ، وليس فقط أمام نفسه ، أمام الله وأنت تسمي نفسك بأنك من أبناء القرآن ، وأنك من أبناء الإسلام ، وأنك من أولياء الله ، وأنك .. وأنك ..
يعني هذا حالة خطيرة إذالم تتعرف على الله من خلال القرآن فإن أي وسائل أخرى للمعرفة لا تصل بنا إلى هذه الدرجة التي سيوصلنا إليها القرآن الكريم ، وبالتالي يمكن أن تسبح وأن تصلى لله ، وأنت تقول الله أكبر وأنت تراه في واقعك أنه أعجز عن أن يعمل شيئاً أمام أولئك ، هو لا يستطيع أن ينصر من نصره وإن قال أنه قوي عزيز ، لو كنا نفهم القرآن الكريم كل من يحمل القرآن الكريم ، ونعرف الله من خلاله لما وجدنا أي شيء أبداً أمامنا كبيراً ـ مهما بدى كبيراً ـ لأن الله في القرآن يقول لنا بأنه هو يدبر الأمر ،وهو ملك السماوات والأرض ، هو الذي ترجع إليه الأمور ، بأنه هو الذي يستطيع أن يهيأ هو الذي يفتح المجالات يهيأ الفرص ، هوالذي يعمل الأشياء الكثيرة التي قد لا تتهيأ إطلاقاً ، كيف قام بالدفاع عن أوليائه حتى يستطيعوا أن يصلوا درجة معينة ، أشياء كثيرة لا نسطيع أن نستوعبها. أهم شيء في الموضوع هو أن تكون ثقة الناس بالله قوية ..
إذا فعندما تنطلق وأنت طالب علم ، أو أنا معلم أريد أن أعلم الناس ما أوجب الله عليهم حتى يعرف كل واحد ماله وما عليه ، وأنت لا تتعرض لنقاط كهذه فأنت ستنسف كل ماله وكل ما عليه ، ولن يصل إلى معرفة ماله وما عليه ، إلا جزئيات تصبح لا تنفعه في الدنيا ، ولا حتى تنفعه في الآخرة ..
لاحظوا كيف أولئك الذين كانوا يعيشون مع رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله كانوا في قضية واحدة ، قضية أدب مع الرسول صلوات الله عليه وعلى آله لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون .. تحبط أعمالكم ما هي أعمالهم ؟ صلاة بعد رسول الله .. أليست الصلاة بعد رسول الله أفضل من أي صلاة بعد أي شخص آخر ؟ وخضور مع رسول الله وجهاد معه في الميادين ، كل هذه الأشياء التي تبدو عظيمة قد ينسفها موقف ، تبدوا معه قليل أدب مع النبي صلى الله عليه وآله أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون .. فكيف إذا ما كنت قليل أدب مع الله ، تقدمه عاجزاً عن أن يحقق ما وعد به أولياءه ، هذا ما نحن عليه ، ولهذا أصبحنا في وضعية سيئة جداً جداً ، لا يستطيع الإنسان أن يتصورها ، كلنا علماءنا وزعماءنا وحكومات وجيوش وأفراد كلهم في الحضيض ، في أحط مستوى ، تحت من ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله .
كلمة من (بوش) ترعبهم جيمعاً ، لا يستطيعون حتى أن يعلقوا عليها كما يعلق عليها الأوربيون (كلمة جيدة ومتوازنة إنما تحتاج إلى شيء من الإيضاح) كمقال عرفات ومبارك وأشباههم ، بينما هناك ينقدها الفرنسيون ينقدها الآخرون .. هكذا أصبحوا إلى درجة كلمة من (بوش) تهزهم أكثر مما يهزهم وعيد القرآن الكريم ، يبحثون عن حل من هناك ولا يلتفتوا إلى القرآن ، يمكن أن يكون لديه حل ، يمكن أن يكون لديه حل .. أبداً .. عندما تهتز ثقة الإنسان بالله نتيجة لمعرفته المغلوطة بالله أو ضعف كثير في معرفته سيصل إلى هذه الحالة بدلاً من أن يكون قوياً على أولياء الشيطان ، يصبح عبداً لأولياء الشيطان ، بدل أن يكون يتشرف بأن يهتدي بهدي الله، وتكون قوته أمتداداً لقوة الله يصبح هو من يبحث عن الحلول من عند أولياء الشيطان يقدمون له حلولاً ، وهل يمكن للشيطان أن يقدم حلاً للإنسان المؤمن ؟ لا يمكن أبداً ، إنما يدعوا حزبه ، حزبه الذين قد والوه وأطاعوه ودخلوا معه ، هل هو يريد أن يجعلهم على أرقى مستوى ويسوقهم إلى أفضل غاية ؟ لا .. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .. فاصبح أولئك هم الملجأ للناس للعرب للمسلمين بدلاً من الإلتجاء إلى الله.
أطعنا الله أطعنا رسوله ، أطعنا ولايته فاصبح الموضوع أنا نبحث كيف نتولى ، و يتسابق الزعماء ، يتسابق الأحزاب على من هو الذي يحضى بصداقة أمريكا أو بالقرب من أمريكا ، وبود أمريكا ، هكذا حتى داخل اليمن أصبحت الأحزاب في اليمن ـ فيما نقرأ ـ بعضهم يتهم بعض بأن مواقفه هي محاولة لأن يكون أقرب إلى أمريكا ، ويتودد إلى أمريكا لأنه ربما تأتي أمريكا وتجعله هو من يصل إلى السلطة .. وهكذا.
نحن يجب أن نفهم أنه يجب أن يكون عنواناً داخلاً في أعماق نفوسنا عنواناً أمامنا ، أينما سرنا هو أن نتثقف بثقافة القرآن ، أن نتعلم القرآن ، نتدبره ، نثق به ، نتفهم آياته ، ونتحرك في الناس على أساسه ، نتحرك في الناس على أساسه ، نقيّم الأحداث كلها من خلاله ، نقيّم الآخرين كلهم من خلاله ، نقيّم أنفسنا من خلاله ، نقيّم أنفسنا على أساس مقاييسه ، وهكذا، ما لم فلو تعلمت ستين عاماً ستخرج في الأخير أضعف بكثير من أولياء الشيطان ، ترى أولياء الشيطان فتخافهم أكثر مما تخاف الله ، تغالط الله ، ما هذا حاصل؟.
لاحظوا كيف واقعنا الآن عندما ننطلق في عمل معين، من الناس يقول: ربما يثير الدولة ضدنا ، ربما يُحَرِّش أمريكا علينا. ربما قد يُسجن شخص ، ربما يحصل كذا ربما .. هذه الاحتمالات نجعلها من الاحتمالات التي نتعامل معها بجدية ، احتمالات نتبناها بشكل مواقف في الأخير ، فنسكت ونقعد. لكن احتمالات أنه ربما إذا قعدنا ، ربما إذا سكتنا أن يغضب الله علينا ، ربما أن نكون مستحقين لسخطه وعذابه وعقابه بجهنم ، هذه الاحتمالات التي هي إلى الله لا نهتم بها.
والإنسان المسلم في الواقع إذا وقف بين احتمالين ، أمامي ربما يحصل عليّ من جانب هؤلاء البشر ضر قد ينتهي بالقتل ، وربما إذا وقفت ،وسكت ،وصبرت يحصل عليّ من جانب الله سخطه وعذابه ، فأيهما أخطر على الإنسان ؟ ومن الأولى من الاحتمالات بأن أراعي؟. أراعي جانب الله أو أراعي جانب الآخرين؟. تراعي جانب الله بكل اعتبار باعتبار أنه وليّك ، أنه المنعم عليك ، أنه كما قال ? وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ? (النحل: من الآية53) أنه إلهك ، أنه هو الذي عذابه شديد ، لا أحد يستطيع أن ينقذك من عذابه ، أما الإنسان فأقصى ما يصل بك إليه هو أن تقتل ، عندما تقتل هل يمتلك شيء وراء ذلك ؟ لا يمتلك شيء وراء ذلك . عندما تقتل يجعلك الله تعيش حياً من جديد ، وتعيش شهيداً ، تعيش حياً ترزق ، وتكون من السعداء قبل اليوم الآخر ، من السعداء قبل دخول الجنة ، لكن إذا لم تراعِ الاحتمالات فيما يتعلق بالله ، فلا تجعل لها أهمية ستخسر فيما يتعلق بجانب الله ، فتكون ممن يستحق عذابه ، هل أحد يستطيع في الأخير أن ينقذك من يد الله ؟. لا أحد يستطيع إطلاقاً أن ينقذك من يد الله ، ستموت رغماً عنك.
عندما تَصِل مثلاً إلى عميل رقم واحد ،وعميل على مستوى عالي لأمريكا ثم عندما تمرض فأقصى ما يُقدَّم لك طائرة خاصة تنقلك إلى أرقى مستشفى في أمريكا ،يجتمع حولك أرقى الأطباء ، هناك في الأخير ستموت بين أيديهم ، يأخذك الله رغماً عنهم ،وتموت بين أيديهم ، هل يستطيعون أن يمنعوك من الموت ؟ وهو أول خطوة لليوم الآخر؟. لا يستطيعون أن يحولوا بينك وبين أن تبعث ، هل يستطيعون أن يحولوا بينك وبين سوء الحساب ؟. هل يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين دخول جهنم ؟. لا يستطيعون أبداً ، لكن كل شيء من جانب الناس مهما طال، الاحتمالات قد تصل إلى القتل ، قد تصل إلى التمثيل فكله بسرعة ينقذك الله منه ، سواء أن لا تصل إليها ،أو أن تصل إليها فعلاً ، فأقصى ما يحصل هو أن يقتلوك وبسرعة تتحول إلى شهيد حي.
[ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]
هذا ما يجب أن نفهمه في هذا الموضوع.
ثم عندما نتعامل مع القرآن الكريم ، نتعامل بإجلال ، باحترام ، بتعظيم ، بتقديس ، بنظرة صحيحة للقرآن أنه كتاب للحياة ، ? تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ? (النحل: من الآية89) كما قال الله عنه ? هُدىً لِلنَّاسِ ? (البقرة: من الآية185) ، وعندما يقول الله لك ، عندما يقول الله لنا ? هُدىً لِلنَّاسِ ? فهل من المعقول أن يكون فقط هدى في القضايا البسيطة في المشاكل الصغيرة ، أما المشاكل الكبيرة التي هي أخطر علينا من تلك ،وأسوأ آثاراً علينا من تلك وعلى ديننا فإنه لا يهدي إلى حل لها ، هذا غير صحيح. فعندما يقول ? هُدىً لِلنَّاسِ?هو هدى للناس في كل القضايا أمام كل الاحتمالات في كل الميادين ، لماذا لا تنظر إليه بأنه هدى للناس في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون إلى من يهدينا في مواجهة أعداء يمتلكون إمكانيات هائلة.
? هُدىً لِلنَّاسِ ? معناه يُعلّم الإنسان كيف يكون (طيِّباًً) وأشياء من هذه ، يصلى ويصوم ولا يتدخل في شيء ، فنقدم القرآن وكأنه لا يمتلك أي رؤية ، ولا يعطي أي حل ،ولا يهدي لأي سبيل فيما يتعلق بالمشاكل الكبيرة ، فيما يتعلق بالمخاطر العظيمة ، هو ? هُدىً لِلنَّاسِ ? في كل مجال ،في كل شأن ، فتكون نظرتنا للقرآن الكريم نظرة صحيحة ، هذا هو كتاب حي ، كتاب يتحرك بحركة الحياة ، بل يستطيع فعلاً - لأنه أوسع من الحياة - يستطيع -إذا ما أُعْطِيت فهمه ، إذا ما كنت تعيش معه ، وفق نظرة صحيحة- أن يُقيّم لك الأحداث فتكون أدق من أي محلل سياسي آخر ، أدق من أي صحفي آخر ، أدق من أي مهندس لسياسة أمريكا وغيرها في تقديرك للأحداث.
ولأنه يمنح الإنسان ثوابت ، تعتبر مقاييس ثابتة ، يربيه على أن تكون لديه رؤية تمنحه المبادرة في المواقف ، هو لا يجعلك بالشكل الذي تنتظر ماذا سيعمل بك العدو لتفكر بعد ماذا تصنع ، هو من يربيك على أن تعرف كيف تضرب العدو ومن البداية ، وهو من قد قدم لك من البداية الشرح الطويل والإيجاز لتعرف كيف عدوك ، وكيف واقعه ، كآية ? لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ? أليس هذا تقريراً إلهياً عن الأعداء؟. لا يستطيع أي شخص مهما كان أن يعطي تقريراً عن عدوه بأنه سيكون هكذا ، لا تستطيع أمريكا أن تعطي تقريراً عن العراق الآن بأنها إذا ما توجهت لضرب العراق فإنه لا يضرها إلا أذى وإن يقاتلها سيوليها الأدبار ثم لا يُنصر . لا تستطيع أمريكا بمخابراتها بأقمارها بأجهزتها الدقيقة ، لا تستطيع إطلاقاً. لكن الله لأنه عالم الغيب والشهادة هو من استطاع أن يكشف لأوليائه كيف ستكون نفسية أعدائه.
و يتجلى ذلك بشكل عجيب، ومن ذلك ما تجلى في الأيام هذه عندما قال الله عن اليهود بأنهم ? لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى?(الحشر: من الآية14) تجلت هذه في إسرائيل أمام مقاومة الفلسطينيين ، مقاومة بسيطة لا تمتلك شيئاً بقدر ما تمتلكه إسرائيل ، نجد الآية هذه يظهر مصداقها واضحاً فتبني إسرائيل الأسوار ، وشاهدوا أنتم في التلفزيون الأسوار جُدُر، ونفس المستوطنات قرى محصنة ، المستوطنات التي تقام لليهود هي قرى محصنة، فهم هكذا على الرغم من أنها دولة قوية تُرعِب بقية الدول الأخرى في المنطقة ، لكنها في ميدان المواجهة ، إذا ما كانت مواجهة لها جذور تمتد من الولاء لله ولرسوله ولأهل بيته ، مثل ما قالوا هم عن حماس ،قالوا (حماس هي تلميذة حزب الله).
[ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]
قالوا عنها هي تلميذة حزب الله ، وتراهم يبنوا جُدُراً وقرى محصنة ، أليس هذا الشيء الذي لا يمكن لأي طرف آخر أن يعطيه للمسلمين؟. لا يمكن لأي طرف آخر مهما بلغت قوته أن يكتشف أعداءه على هذا النحو ، فيكشف واقعهم .. لا يمكن أبداً إلا الله ؛ ولهذا عندما يقول في القرآن الكريم بأنه ? قَوِيٌّ عَزِيزٌ? هو يقول للناس بأنه بالمستوى الذي ينبغي أن يتولوه ،فهو قوي عزيز ، وهو غالب على أمره ، وهو قاهر فوق عباده ، وهو يعلم السر والنجوى ، يعلم الغيب والشهادة ، يستطيع أن يكشف لك واقع عدوك ، يستطيع أن يملأ قلب عدوك رعباً ، فتكون إمكانياتك البسيطة هي من ترعبه ، ويرى أن ما لديه من إمكانيات وما لديه من قوًى لا يحقق له الأمن ، كما حصل في إسرائيل أصبح القادة العسكريون في إسرائيل في الأخير يعترفون بأن الحرب لم تحقق لهم الأمن بل أصبحوا يقولون بأنه (كلما انتقمنا حصل ردود فعل أكثر ، ثم انتقام في انتقام وفي الأخير لن يحقق لنا أمناً ،ولن يحقق لنا استقراراً ،ولن يحقق لنا إلا إنهاكاً لاقتصادنا). هكذا يقول الإسرائيليون أنفسهم.
نحن يجب أن تكون نظرتنا للقرآن صحيحة ، عندما تنظر للقرآن ، عندما تتعلم القرآن تتعلمه وأنت تَعُد نفسك واحداً من جنود الله ، وإلا فستكون من تلك النوعية التي تتقافز على الآيات ? كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ? (الصف: من الآية14) كونوا أنتم. فيقول أنا مالي دخل) ، ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ? (آل عمران: من الآية104)( أنا مالي دخل) وهكذا تتقافز على الآيات فتكون أنت من تضع أمامك حجباً عن الاهتداء بالقرآن الكريم ، وبالتالي ستكون أنت من تقدم القرآن الكريم للآخرين ضعيفاً هزيلاً.
نحن قلنا: يجب على الإنسان الذي يُعلّم القرآن أن يعلم القرآن كما لو كان في مواجهة مع العدو وفي الجبهة الأولى في مواجهة العدو ، تعطيه حيوية ، عندما يتحدث عن الجهاد ، عندما يتحدث عن وعوده للمؤمنين ، عندما يتحدث عن أعدائه ، عندما يتحدث عن الأشياء التي يجب أن تكون الأمة عليها في تأهيل نفسها لتصل إلى مستوى أن تكون من أنصار الله ، ومن أنصار دينه ، يجب أن تتحدث وإن كنت أنت في واقعك ترى بأن الوضع لا يصح منه شيء ، والناس لن ينفعوا بشيء ، والدنيا كلها قد انتهت ، ولا يوجد بأيدي الناس شيء ، لا تعكس هذه على آيات القرآن أبداً ،لا يجوز ؛ لأن القرآن يجب أن يكون أرقى من أن نعطفه على أنفسنا ،أو نرده هو فنجعل ما لدينا من مشاعر من ضعف هو المقياس الذي على أساسه نقدمه للآخرين ، هو الشيء الذي نصبغ القرآن به عندما نقدمه للآخرين ، هذا سيقتل القرآن ، هذا سيميت القرآن.
كيف تعمل؟. قدمه على أصله ؛ لأن القرآن لو أُخضِع لمشاعرنا ،لتقديرات الضعف التي تسيطر علينا ، على هذا وعلى ذاك ، فبالتالي سيقدم القرآن ميتاً جيلاً بعد جيل ، هذا بالنسبة للمُعلّم، بالنسبة لطالب العلم كذلك عندما نقرأ القرآن ، عندما نتدبر آيات القرآن ، عندما تُذّكر بآيات القرآن يجب أن تتعامل مع القرآن بجدية ، أنك تريد أن تكون فعلاً كما ذكر الله عن أوليائه في القرآن ، وأن تكون ممن يصل على أساس تعرف مالك وما عليك ، أن تصل إلى من قال عنهم ? كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ? ، أن تكون من ضمن هؤلاء ، أن تكون ممن قال عنهم ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? (آل عمران: من الآية104) وهكذا في بقية الأشياء ، أن تكون مع الآخرين من المؤمنين تواليهم صفاً واحداً ،وحدة حقيقية عندما تسمع الله يقول عن المؤمنين ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? (التوبة: من الآ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : محاضرات السيد حسين الحوثي | السمات:محاضرات السيد حسين الحوثي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























