جرى استهدافها الأسبوع الماضي:مئذنة العياني.. ليست "مذبح ثور"

كتبهاosama sari ، في 25 يونيو 2008 الساعة: 19:36 م

جرى استهدافها الأسبوع الماضي:

مئذنة العياني.. ليست “مذبح ثور”

 

كتب / أسامه حسن ساري

osama_sar@hotmail.com

 

الحرب لئيمة لا تحترم إنسان ، أو تاريخ ، أو تراث ، .. أو حتى مصدر رزق ولقمة عيش.. كما أنها لا تحترم معالم أو رموز..

تنكت غِلّها وحقدها على ملامح الحياة .. إنها الحرب ، لا تُجَرّم نفسها أو تدخر آثامها.. سيما أن محركاتها ومصادر تغذيتها أحجار على رقعة شطرنج النظام..

في مواضيع سابقة تناولت صوراً مؤلمة حول خرائب حرف سفيان ..وجنون الهجمة على صعدة ومدنها

وقراها ، وما تخلّفه هذه الهجمة من آثار سلبية على مستقبل الوطن وحياة المواطن وفكره ومعتقداته..

بلا شك .. لا نعفي الحوثي وأنصاره من تحمّل نصيبهم من المسئولية تجاه ما يحدث.. لكن أولاً ينبغي أن نتبين قضيتهم وملامح اتجاهاتهم بعيداً عن التداولات والافتراءات و تجيير الأحداث ومبرراتها لصالح النظام..

 

*بالنسبة للسلطة فإن مؤسسيتها المتشكلة وفق أهواء عسكرية ونخبوية مؤتمرية بمنأى عن الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الإدارة وصنع القرار ، خاصة ًَ المتعلق بملفات الحرب وسفك الدماء.. فقد كانت الصدمة أن هذه المؤسسية النظامية انطلقت وفق قرارات فردية و شخصنت ميدان وأطراف الصراع في صعدة.. بل وضعت النتائج الاجتهادية وفرضيات الانتصار لتحولها كل نصف شهر إلى إعلان بالحسم مما أفقدها الثقة والمصداقية.

 

** على كلٍّ .. الكارثة اليوم اتخذت أبعاداً واتجاهات أخرى تجاوزت مزاعم مشروع القضية الوطنية والإنسانية وأجهضتها.. لتفتح ملفات طائفية وتكرس أوجهاً عدة للصراع الرامي إلى اجتثاث و محو كل ما له علاقة بالهاشميين والفكر الزيدي..فمن صوامع “مران” ومنارات ” حيدان  والهجر” ، وقباب ضحيان - التي تم الانتهاء منها - إلى مأذنة وضريح الإمام القاسم بن علي العياني عليه السلام.

 

فاجعة كبيرة حلّت على أرض اليمن وأبنائها .. باستثناء طوائف بعينها .. عندما سقطت قذائف المدفعية من الجبل الأسود على جامع الإمام العياني  لتدكه وتمحو أبرز وأهم معالم ورموز اليمن.

 

** مئذنة العياني العجيبة أنصفها التاريخ .. وهمشهما النظام .. ووضع لها المدفع بداية متجددةً..فهذه المئذنة لم تكن مجرد بناء عادي .. أو تراث إسلامي كسائر المعالم المطمورة في بلادنا السعيدة.. بل كانت أعجوبة تاريخية أثارت جدلاً واسعاً حول هندستها وأسرار بقائها..

 

** لم يمض عام من عمري إلا زرت فيه هذه المئذنة وتضاعف اندهاشي وذهولي .. مبنية من اللبن .. ترتفع قرابة عشرين متراً .. عندما نصعد  ” درجانها” لا نبلغ نصفها الأول حتى تبدأ المئذنة بالاهتزاز والتمايل.. البعض يرتعب ويعدل عن صعودها خوفاً من سقوطها.. استجمعنا الشجاعة وصعدنا إلى قمتها .. نرتجف ذعراً .. سرعان ما اعتدناها وعشقنا زيارتنا لها .. وجدنا الإثارة وروح المغامرة الفعلية في قمة المئذنة .. نمسك بنوافذها العلوية ونهزها .. فتتمايل بنعومة ومرونة كأنها غانية راهبة مناسكها مشاكسة ُ الرياح والتباهي بثبات بنائها على قوّة العواصف

والسيول الجرارة..

 

** أليست بالفعل مئذنة عجيبة.. رغم موقعها الجغرافي غير المهيأ لبقائها ثابتة.. إلا أنها صمدت.. في قلب وادي عيان الفسيح والذي يبعد عن مدينة الحرف - شمالاً- قرابة خمسة كيلومترات.. بناها الإمام القاسم العياني في منتصف القرن الثالث الهجري .. أي قبل حوالي 1100 عام.. وارتبط     بناؤها في عيان التي اتخذها الإمام العياني عليه السلام عاصمة ًَ لليمن آنذاك ، بروايات متعددة كان الأجداد يمتعون مسامعنا بترديدها..

أكدوا .. كما أكدت أيضاً كتب التاريخ.. أن قرية عيان الواقعة في قلب وادٍ فسيح داهمها سيلٌ جرار عقب صلاة الظهر فخرج الامام العياني من الجامع إلى قلب الوادي ونصب عصاه أمام السيل الجارف المتدحرج نحوهم وهو يرتل آيات قرآنية و يدعو الله تعالى أن ينجي القرية وسكانها من كارثة السيل الذي بلغهم ليرتطم أوله بالعصا ، ثم انفلق إلى قسمين ليشق طريقه عن يمين و شمال الجامع والقرية دون أن يتضررا..

 

المزارعون ورعاة الأغنام والعمال والعجائز مازالوا حتى اليوم يتغنون بهذه الحادثة ويخلدونها في أهازيجهم و مغاردهم.. التي تقول : ” يا قاسماه يا اعوج امسمار.. يا فارق امسيل في اموادي”..

وأعوج المسمار يقصدون به المئذنة التي بطبيعة بنائها مائلة بشدة منذ ألف عام ، حتى أنه يخيّل لرائيها من بعيد أنها تسقط.. وحاول السكان منذ أكثر من مائة عام هدمها وإعادة بنائها مستقيمة لكنها تصبح مائلة كعادتها.. وشهدت أكثر من مرة عواصف رعدية شديدة اقتلعت أشجار السدر

الضخمة والمعمرة إلى جوار المئذنة بينما الأخيرة ثابتة تهتز وتتمايل فقط أمام العواصف.

ويتم الصعود إلى المئذنة عبر غرفة صغيرة تحتضن ضريح الإمام العياني عليه السلام و تعلوها قبة خضراء .. والذي يعد مزاراً إسلامياً مشهوراً.. وتحت المئذنة يظهر مدخل سرداب أرضي يمتد مسافة 250 متراً ليربط جامع القاسم بجامع ابنه الجعفر الموجود في نفس الوادي.

 

·       هذه إطلالة سريعة على هذا المعلم والمزار الإسلامي التاريخي.. الذي يشكل جزءً أساسياً من هوية اليمن الثقافية الإسلامية.. ويربط المجتمع اليمني بذاكرة الجذور والرموز وتضحياتهم من أجل الحقيقة والحفاظ على المعتقدات الدينية من المتطرفين و دعاة الضلال المتلبسين لمسوح الحق..

 

·       هذه هي حقائق و قصة هذا التراث الطاهر ، وكم من حاقدٍ أو مغرض سمّاها خرافات ولفّق حولها الأباطيل ، لكنها ظلت حقيقة ماثلة للعيان تخرس ألسن الهذيان والملوّثين.

 

·       الشعب اليمني في حقب تاريخية مختلفة ظل معتزاً بتراثه الإسلامي ، ومعالم رموزه سواء كانوا من الصوفية أو المالكية أو ابن علوان أو زيدية أو غيرهم.. ظلوا يحافظون عليها ويحمونها كآثار ومعالم رموز يأخذون منها العبر والموعظة ويتعطرون بسيرة أصحابها.

لكن مأساة وكارثة استهداف المتطرفين ” باسم حماية الوطن” لهذا المعلم كان مباشراً وليس حادثاً عارضاً وعفوياً.. سيما أن مواقع أنصار الحوثي بعيدة عن المئذنة .. والأخيرة بارزة يشاهدها المدفع بوضوح وهي لا تؤذيه أو تحتقره.. لكن وجودها كمعلم ” زيدي هاشمي ” أغاظه..

وبعض المتابعين والمهتمين ربط حادثة استهداف مئذنة العياني على هامش الحرب الطائفية بمحاولات سابقة من قبل جماعات دينية حرّمت أضرحة ومعالم الأئمة واعتبرتها كفراً وعبادةً لغير الله تعالى ، كون الناس يزورونها لقراءة الفاتحة إلى روح الإمام.. وهي تأويلات وذرائع واهية لا تعبر إلا عن ضغينة ونفوس سوداوية.. سيما أن عناصر من هذه الجماعات حاولت أكثر من مرة إحراق وتفجير ضريح الإمام الحسين بن القاسم في مدينة ريدة بمحافظة عمران .. ثم محاولة هدم و نبش قبر أحد الأئمة في ” ظفار ذيبين” .. وتلك المحاولات الدنيئة أثارت نعرات طائفية وفتن ، ودست بذور تأجيج الصراع الفكري والمسلح في أوساط المجتمع اليمني المسالم.

 

·       اليوم وجدت هذه الجماعات لنفسها أرضية مناسبة للإستقواء والتوسع ونشر فكرها وبث سمومها في ساحة ومحيط الصراع الطائفي بين السلطة و الحوثيين.. ووجدت في هذه الساحة فرصة للخروج إلى الميدان - كعادتها في مختلف حقب التاريخ - لمؤازرة وتأييد سلاطين الجور والفساد واختلاق النعرات والترويج لأفكار ومعتقدات غامضة يتبناها السلاطين وأنظمة الحكم لتبرير انتهاكاتها وتجاوزاتها وفق فتاوى علماء ودين.. لكن سرعان ما يتبرؤون منها ويواجهونها بسياسة التجويع و ” فرق تسد” وتربية أطراف وجماعات دينية مناوئة للأولى المستقوية على حساب الضمائر المغيبة والقيم والإنسانية ودماء وأرواح الأبرياء.

 

·       رغم هذا كله .. استغرب الصمت الإعلامي والتنظيمي تجاه هذه الحادثة التي استهدفت ظلماً وعدواناً رمزاً ومعلماً إسلامياً وحضارياً إنسانياً ، بينما سنجدهم رأس كل ستة أشهر يستنهضون الدنيا ثم لا يقعدونها عند تدمير تمثال حجري يعود لعصور ما قبل الاسلام .. أو عند تهريب قطعة أثرية تشكل ” مذبح ثور” للتقرب إلى غير الله تعالى.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حرب صعدة, كتابات اسامه ساري | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر